انسحاب علاوي لن يحل المشكلة في العراق

   في وقت متأخر من ليل الاحد الأول من آذار –مارس قدم السيد محمد توفيق علاوي كتاب اعتذاره عن تشكيل الحكومة العراقية الجديدة الى السيد برهم صالح (رئيس الجمهورية)، كاشفا فشله في الحصول على ثقة البرلمان بحكومته نتيجة ما سماه إصراره على تشكيل حكومة مستقلة من اجل العمل دون التزامات حزبية أو ضغوطات من اجل الإسراع بتنفيذ مطالب الشعب، واصطدامه اثناء مفاوضات تمرير حكومته بعقبة تفاوض القوى السياسية العراقية المهيمنة فقط من اجل الحصول على مصالح ضيقة دون إحساس بالقضية الوطنية، ودون اعتبار لدماء الشهداء التي سقطت في سوح التظاهر من اجل تغيير الأوضاع وتحقيق رفعة الوطن وازدهاره.

وعلى الرغم من بعض الآمال التي عُلقت على تشكيل حكومة علاوي، فأن فشله في مهمته كان متوقعا بشكل كبير، لاسيما في الأيام الأخير من مهلته الدستورية، لأسباب كثيرة يرتبط جزء منها بتشكيلته الوزارية غير الموفقة في معظمها، وعدم كفاءته والقوى الداعمة له اثناء مرحلة التفاوض مع القوى الأخرى المشاركة في العملية السياسية، وكذلك بسبب بعده عن شروط وتطلعات ساحات الاحتجاج، وعدم تمكنه من مد الجسور مع المحتجين.

أما الجزء الآخر فيرتبط بعناد الفرقاء السياسيين واصرارهم على عدم التنازل عن امتيازاتهم المكتسبة، وتقديم المصالح الخاصة على مصالح العراق العليا، وانعدام الثقة بين الفرقاء من جهة، وبينهم وبين الشعب من جهة أخرى، فضلا على استمرار الاحتجاجات الشعبية المعارضة للسلطة (شخوصا وأداء)، وتدني الخدمات الأساسية للمواطن العراقي بسبب تدهور البنية التحتية للبلد، وتعاظم المشكلة الاقتصادية، وضعف سلطة انفاذ القانون لوجود قوى سياسية وعسكرية ترى نفسها فوق الدولة والقانون والمؤسسات الدستورية، والتدخل الإقليمي والدولي في الشأن الداخلي العراقي، واستفحال الفساد الإداري والمالي وارتباطه بمافيات سياسية وأمنية عالية النفوذ في الحكومة، واضيف مؤخرا الى هذه القائمة بروز التهديد الصحي لفيروس كورونا وما تركه من احباط وتأثيرات على المزاج العام للعراقيين.

ان انسحاب علاوي من مهمة تشكيل الحكومة لا يعني ان العراقيين سيتنفسون الصعداء، بل على العكس من ذلك دخل العراق في مأزق جديد يزيد من تعقيد وارتباك الساحة السياسية، وذلك لأن الأسباب والضغوط التي أجبرت حكومة السيد عادل عبد المهدي على تقديم استقالتها، واجبرت علاوي على تقديم اعتذاره عن التكليف لم تزل قائمة، وستكون عقبة كأداء في وجه أي شخصية جديدة يتم اختيارها لتشكيل الحكومة الجديدة، وهذا يعني أنه بصرف النظر عن شخصية رئيس الوزراء القادم، فان الوضع السياسي في العراق سيزداد سخونة بشكل لا مفر منه.

لقد كان علاوي فرصة ثمينة امام القوى السياسية العراقية للخروج من أزمتها واستعادة شرعيتها، لكنه لم يمتلك المؤهلات اللازمة لرجل الدولة الكفوء لمواجهة البيئة الضاغطة التي عمل فيها، كما لم تتحلى القوى السياسية بالحكمة الكافية لمساعدته على النجاح في مهمته. لذا ضاعت الفرصة على السياسيين العراقيين، وسيدفع ذلك الى مزيد من التقاطعات والتوتر فيما بينهم، لاسيما بين الداعمين لعلاوي والمعارضين له، وقد يتسع الشرخ بين المكونات العراقية الثلاث (شيعة، سنة، وكورد)، وداخل المكون الواحد (لاسيما الشيعة)، ويعطي المأزق الجديد شرعية إضافية للشارع الشعبي المنتفض ليزيد من احتقانه وتمرده على السلطة مدفوعا برغبة عارمة الى اسقاطها وتغييرها.

ان ما يجعل الأمور في العراق غير قابلة للخروج من عنق الزجاجة المحشورة فيه في الوقت الحاضر، هو سوء إدراك قياداته السياسية لطبيعة المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية الجديدة، وعدم استيعابها لفكرة ان قواعد الحكم التي سار عليها العراق منذ عام 2003 الى اليوم باتت بحاجة الى التغيير، ولا يمكن الاستمرار باللعب وفقا لها في أي حال من الأحوال. وهذه القيادات ستدفع عاجلا وآجلا ثمن سوء الادراك وعد الاستيعاب الذي وقعت فيه، مما جعلها غير قادرة على اكتشاف الحلول لأزماتها، وفاشلة في التكيف مع بيئتها الجديدة.

وامام هذه المعضلة التي تعاني منها القيادات الحالية لم يعد الحل الا بمنعها من لعب أي دور سياسي في العراق، سواء تم ذلك بوصولها الى قناعة نهائية بان الزمن لم يعد زمنها فتقبل طواعية بترك الساحة لآخرين، او ببزوغ قيادات جديدة من داخل القوى السياسية نفسها تكون أكثر شبابا وكفاءة وفهما لطبيعة المتغيرات المحلية والدولية تضغط باتجاه إزاحة قياداتها الهرمة لمسك زمام الأمور بدلا عنها وإنقاذ الموقف قبل فوات الأوان، وان يتم ذلك بالتزامن مع العمل على استعادة شرعية صناديق الانتخاب، والاستعداد لانتخابات قادمة نزيهة تسمح للعراقيين بمنح ثقتهم للقيادات الشابة الجديدة.

اما إذا لم يتحقق هذا الحل بسرعة، فان التغيير في العراق قادم لا محالة، وسيكون اما بانقلاب داخلي او بتدخل خارجي، ولكنه في كل الأحوال سيكون تغيير مؤلم سيعاني من تبعاته الجميع، وسيُدخل العراق في موجة عنف سياسي لا يمكن التنبؤ بعواقبه، فاستمرار الوضع الحالي على ما هو عليه مستحيل، لأن العملية السياسية الجارية في العراق اليوم باتت كالرجل المريض الذي فشل الأطباء (القادة السياسيون) في مداواة علله الحقيقية، فاستفحلت هذه العلل بشكل كارثي، لدرجة ان موته وإصدار شهادة وفاته ما هي الا مسألة وقت ليس الا. 

التعليقات
تغيير الرمز