تأثر الاقتصاد العراقي بالاقتصاد العالمي

نتيجة لترابط دول العالم، بفعل العولمة؛ أصبح انتقال الازمات وتأثر الدول يحصل بشكل سريع خصوصاً مع تلك المندمجة بشدّة في الاقتصاد العالمي.

المشكلة لا تكمُن في الاندماج بقدر ما تكمُن في التأثر لأي ما يطرأ على ساحة الاقتصاد العالمي من جانب، وإدماج الاخرين دون الاتفاق على نموذج اقتصادي معين من جانب آخر. 

ان التأثر لأي ما يطرأ على ساحة الاقتصاد العالمي يكشف عن هشاشة الاقتصاد الوطني وان هذا الاقتصاد يفتقر للمناعة الذاتية فيكون عرضة للمشاكل الاقتصادية، كما وان فرض نموذج اقتصادي معين يعني عدم وجود تفاعل حقيقي من قبل الاخرين( اقتصادات الدول) لمواجهة المشاكل العالمية وبالتالي استمرارها توالدها.

ان الاطّلاع على مسيرة الازمات في الاقتصاد العالمي، ستجدها حافلة بالأزمات وما زالت تتوالى بحيث ما إن تنتهي أزمة ما إلا وتظهر أزمة أخرى والآن العالم على موعد لزلازل اقتصادي عالمي قادم، مما يعني ان العالم لم يصل لمرحلة النضج بعد، إذ لم يصل لمرحلة الاتفاق الطوعي المستديم للتغلب على نقاط الضعف والحفاظ على نقاط القوة واستدامتها.

التطعيم والانتعاش

حيث دخل الاقتصاد العالمي بحالة من الركود مع بداية عام 2020 لسبب صحي يعود لانتشار جائحة كورونا التي تسببت في توقف الحركة والنشاط الاقتصادي.

وفي هذا الحال، أنبرت الشركات ذات العلاقة بالبحث المتواصل لأجل إيجاد المضاد المناسب لمواجهة الفايروس وبالفعل توصلت، بعد مدة من الزمن قد لا تتجاوز سنة واحدة؛ إلى المضاد المناسب وبدأ تطعيم المجتمعات وبشكل مستمر وأخذ الانتعاش يأخذ مساره مع التطعيم، لان التطعيم يعني السماح بالتحريك والنشاط المحدود هذا ما أسهم في بداية الانتعاش.

حقن الاقتصاد والتضخم

إلى جانب التطعيم ولأجل إنعاش الاقتصادات أخذت الدول تنتهج سياسات اقتصادية توسعية دون الاخذ بعين الاعتبار لما ستؤول إليه الاوضاع مستقبلاً والتي بدأت تتكشف الآن.

ان قيام الدول بسياسات اقتصادية توسعية يعني حقن الاقتصادات بمزيد من الاموال، حيث نلاحظ ذلك من خلال زيادة المعروض النقدي بمعناه الواسع من 19.88 تريليون دولار عام 2019 الى 27.25 تريليون دولار عام 2021، والذي أدى لارتفاع التضخم من 1.80% عام 2019 إلى 8% عام 2022 وهي أعلى نسبة منذ عام 1982.

لا يختلف الأمر بالنسبة للمملكة المتحدة، حيث ارتفع المعروض النقدي بمعناه الواسع من 3.14 تريليون جنيه استرليني عام 2019 إلى 3.74 تريليون جنيه استرليني عام 2021، مما اسهم في ارتفاع التضخم من 1.70% عام 2019 إلى 7.90% عام 2022 وهي أعلى نسبة منذ عام 1991 حسب بيانات البنك الدولي.

الحرب والعقوبات والتضخم

رافق مسألة حقن الاقتصادات بمزيد من الاموال لأجل انعاش الاقتصاد، الحرب الروسية- الاوكرانية بداية عام 2022 والآثار التي ترتبت عليها، حيث لجأت الدول المتحالفة مع أوكرانيا لفرض العقوبات على روسيا لإجبارها على الانسحاب من الحرب وفي الوقت نفسه لجأت الأخيرة لاستخدام الطاقة كسلاح حيث رفضت أمداد الدول المتحالفة مع أوكرانيا بالطاقة الأمر الذي أسهم في انخفاض الطاقة وارتفاع أسعارها والنتيجة ارتفاع التضخم وفق معدلات لم نشهدها منذ سنوات طويلة كما أشارنا أعلاه.

هذا ما يعني ان الاقتصاد العالمي خرج من مشكلة الركود الاقتصادي ودخل في مشكلة أخرى وهي مشكلة التضخم الاقتصادي، حيث يعاني الاقتصادي العالمي من تضخم اقتصادي بنسبة 8.30% عام 2022.

سعر الفائدة ومكافحة التضخم والبطالة

ولأجل مكافحة التضخم لجأت الدول لرفع سعر الفائدة من أجل سحب النقود من الاقتصاد حتى ينخفض الطلب على السلع والخدمات وبالتالي ينخفض التضخم، لكن هذا الحل ينطوي على مخاطر قد تجعلنا نعود مرة أخرى لمشكلة الركود لكن بدافع اقتصادي وليس بدافع صحي، إذ ان رفع سعر الفائدة يعني ارتفاع تكلفة الاقراض وانخفاض النشاط الاقتصادي وزيادة البطالة.

يمكن القول، ان السبب الرئيس وراء التناوب في المشاكل الاقتصادي وعدم استقرار الاقتصاد العالمي، إضافة لعدم الاتفاق الطوعي على نموذج اقتصادي معين بين دول الكرة الارضية؛ اعطاء الاولوية للنقود كهدف في حين يُفترض أن تكون وسيلة لتسيير شؤون الافراد في الاقتصاد، هذا الأمر دفع الافراد والدول للتنافس وبأي طريقة للحصول على النقود.

الاقتصاد العراقي وتأثره بالاقتصاد العالمي

عودة على بدء، ان الاقتصاد الذي يفتقد للمناعة الذاتية يعني انه اقتصاد فاقد للاستقلال الاقتصادي وتابع لما يطرأ على ساحة الاقتصاد العالمي، كما هو حال واقع الاقتصاد العراقي.

حيث يعاني الاقتصاد العراقي من ضعف شديد بحكم عدم توظيف النفط في بناء الاقتصاد والمجتمع وظلت النسبة النفط مرتفعة في مؤشرات الاقتصاد الرئيسة.

حيث لم تنخفض نسبته عن 40% من الناتج المحلي الاجمالي، كما لم تنخفض الايرادات النفطية عن 90% من الايرادات العامة، ولم تنخفض عن 97% من الصادرات السلعية بل وأكثر من هذه النسب ولكل قاعدة شواذ.

اعتماد الاقتصاد العراقي على النفط كان البوابة الرئيسة لتأثره بالاقتصاد العالمي وذلك لأسباب عديدة يمكن الاشارة لبعضها:

تحديد الاسعار: حيث لا يمكن للدولة بمفردها من التحكم بأسعاره لانه يخضع لأسواق الطاقة الدولية وهنا يكون الاقتصاد العراقي تابع وخاضع لأسواق الطاقة الدولية. 

احادية الاقتصاد، حيث يعتمد الاقتصاد على النفط بشكل رئيس، كما اتضح أعلاه؛ مما يعني عدم وجود تنوع اقتصادي مما يتطلب الأمر لإشباع الطلب المحلي اللجوء للعالم الخارجي فأي ما يحصل في العالم الخارجي من مشاكل اقتصادية ستنتقل بشكل تلقائي للاقتصاد المحلي بالتزامن مع العولمة. 

سعر الصرف

في العادة، ان استقرار سعر الصرف يتحقق من خلال القاعدة الاقتصادية الطلب على العملة يساوي العرض منها، واذا ما حصل أي خلل سيتغير سعر الصرف.

ونظراً لوجود دولارات نفطية تدخل للاقتصاد العراقي تتوازن بشكل تقريبي(بفعل السياسة النقدية) مع الدولارات التي تخرج لأجل تلبية الطلب المحلي، لذلك هناك نوع من الاستقرار لكن هذا الاستقرار وهمي وليس حقيقي لانه مجرد ما أن تنخفض الدولارات النفطية تحصل تغيرات في سعر الصرف، لذلك سعر الصرف أصبح يمثل نقطة لانتقال اثار تغيرات اسعار النفط الى الاقتصاد العراقي.

وإذا ما تحققت التنبؤات الحالية بخصوص الزلزال الاقتصادي القادم سيتأثر الاقتصاد العراقي بشكل كبير وذلك لارتفاع نسبة اعتماده على النفط بشكل كبير كما اتضح أعلاه، وتحمل الموازنة المرتقبة اعباء كبيرة تمثلت في زيادة التوظيف الحكومي، فضلاً عن تردي البنية التحتية وبيئة الاعمال.

الخلاصة

ولأجل ضمان استقرار الاقتصاد العالمي يُفترض إن يُصار إلى أتفاق دولي عالمي على النموذج الاقتصادي الذي يمكن أن يسير الاقتصاد العالمي على ضوءه بعيداً عن الاكراه وسياسة الأمر الواقع، وبهذا سيتفاعل الجميع على محاربة نقاط الضعف وادامة نقاط القوة لان الجميع يشعر ان الاخفاق وعدم القوة يعني خسارة الجميع.

ولأجل ضمان انخفاض تأثر الاقتصاد العراقي بالاقتصاد العالمي، ينبغي أن يُصار إلى توجه اقتصادي سليم، يعمل على توظيف النفط بما يسهم في بناء الاقتصاد والمجتمع وذلك من خلال بناء البنية التحتية اللازمة لانشاء المشاريع الاستثمارية، وبناء بيئة اعمال جاذبة وبالخصوص الجانب الاداري والاهتمام بالتربية والتعليم والصحة.

التعليقات
تغيير الرمز