سياسة المالية العامة وصدمة كورونا

     لا شك ان العامل الحاسم في المالية العامة مواجهة الوباء ونتائجه الاقتصادية سنة 2020، وكيفية إدارة الموازنات مع عجز كبير بسبب انحسار الإيرادات وزيادة النفقات. ولتمويل العجز صلة مباشرة مع السوق المالية والمصارف، والبنوك المركزية، واسعار الفائدة. وتمثل الموازنات العامة الحقيبة الرئيسة لأدوات السياسة Policy instruments التي تزاولها الحكومة أيام الأزمات على وجه الخصوص، فضلا عن الوضع الاعتيادي. ومن تفاعل عجز الموازنة العامة مع قطاع المال Financial Sector وعبر الدين الحكومي، وتدويره، وفعل التوقعات قد تتفاقم الأزمة بالتغذية المتبادلة وتزداد صعوبة السيطرة عليها في الدول المتطورة، وتركز الحكومات حاليا على حماية الاقتصاد من الانزلاق الى هذا المسار. ومثلما أصبحت الولايات المتحدة ودول اوربا الغربية الميدان الرئيس للوباء هي أيضا بؤرة الأزمة الاقتصادية لصدمة كورونا.

المالية العامة في بيئة الصدمة:

فاجأت صدمة كورونا إقصاد العالم، خاملا، فلم تستأنف الدول المتطورة، بعد الأزمة المالية، حيوية ايام " الاعتدال الكبير"؛ ولازالت البنوك المركزية تحاول حفز الاقتصاد بأسعار فائدة واطئة، والتضخم أدنى من المستويات المناسبة. وقد انخفض الاستثمار العام في الدول المتطورة منذ عام 1995 وترسخ هذا الاتجاه بعد الأزمة المالية، وللاستثمار العام دور مهم في تنشيط الاقتصاد إضافة على تجديد وتطوير البنى التحتية. ولم تحتفظ الصين بنموها الاستثنائي بعد عام 2012 وهي قاطرة اقتصاد العالم في العقود الأخيرة.

ومن نتائج صدمة كورونا انكماش الناتج من جهة العرض بسبب القيود والتي تأثرت بها الصناعة الاستخراجية والتحويلية والنقل على نحو اشد؛ وكذلك من جانب الطلب وخاصة من السياحة والسفر والفندقة والخدمات غير الحكومية، وأدى التعطل الواسع في قطاع النقل الى نقص حاد في الطلب على النفط إضافة الى أثر انخفاض النشاط الاقتصادي الكلي. ومن نتائج الصدمة هبوط الإيرادات الحكومية، عادة، بنسبة أعلى من انخفاض الناتج. وفي نفس الوقت تزداد البطالة وينخفض دخل العاملين لحسابهم الخاص أو ينقطع عن بعض الفئات، وترتفع تكاليف الصحة العامة. وتزداد النفقات لتعويض البطالة وإعانة الفئات التي انقطعت عنها مصادر الدخل. وبذا تواجه الحكومات عجزا كبيرا في الموازنة العامة، وتلجأ الى الاقتراض. وفي نفس الوقت يحتاج قطاع الأعمال المتعثر الى قروض ميسرة لتدوير ديونه وتمويل إضافي لسد الخسائر؛ وتحاول الحكومات إقناع الشركات لتحتفظ بالقوى العاملة لقاء إعانات. وتلجا الشركات الى تحويل بعض الديون الى أسهم قد تراجعت اسعارها فترتفع تكاليف التمويل وتضعف جدارتها المالية، وتنعكس هذه في صعوبة حصولها على قروض جديدة من المصارف.

وقد تلجأ الأسَر لطلب المزيد من القروض لذات الأسباب المتمثلة بهبوط النشاط الاقتصادي وتقلّص المصادر الاعتيادية للدخل. وهكذا تبدأ الأزمة من انتشار الفايروس، الى القطاع الصحي، ثم فرض القيود على الحركة ومنع التجوال وملازمة المساكن، فينكمش الاقتصاد ليتحول عبء الأزمة الى الموازنة العامة، ثم قطاع المصارف واسواق المال بالنتيجة.

مهام السياسة المالية وصعوباتها:

تتعاظم مسؤوليات السياسة المالية لحفظ الاقتصاد من الانزلاق الى حلقة التدهور النزولي؛ وتعمل في نفس الوقت على ضمان استمرار الخدمات العامة، وخفض احتمال الخسائر الكبيرة والافلاسات في شركات الأعمال والمؤسسات المالية ومنها خاصة المصارف. وتبقى الأولوية الأولى لمنع انتشار الوباء وانقاذ حياة المصابين، ولذا فإن تخصيص نفقات اضافية للقطاع الصحي لا يتزاحم مع المهام الأخرى في الدول التي اعتادت حكوماتها على سياسات رصينة.

اسعار الفائدة منخفضة وتتمكن أغلب الدول المتطورة من الاقتراض بتكاليف واطئة وبعضها، التي عانت من مشكلة ديونها السيادية، تضطر الى تحمل أعباء كبيرة. وعلى العموم تستطيع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ودول أخرى إدارة إنفاقها العام بعجز كبير لسهولة تعاملها مع السوق المالية. أما في الدول متوسطة الدخل فعندما يقترن عجز الموازنة العامة مع عجز ميزان المدفوعات الخارجية تضطر الى الاقتراض من الخارج. هذا، إن لم تسعفها تدفقات من الاستثمار الأجنبي واحتمالها ضعيف أيام الأزمات. وذلك لأن الأموال تتجه نحو الملاذات الآمنة وأوثقها ادوات الدين الحكومي للدول المتطورة عالية الجدارة الائتمانية.

ولا شك في العجز المزدوج، لكل من المالية العامة وميزان المدفوعات الخارجية، في الدول النفطية مع سقوط اسعار النفط. لكنها تستطيع التوسع في الاقتراض الداخلي إذ تتمكن من تمويل عجوزات موازينها الخارجية اعتمادا على فوائضها السابقة بالعملة الأجنبية وخاصة المملكة السعودية والأمارات والكويت، حتى لو بقيت اسعار النفط منخفضة عام 2021؛ وروسيا تتجاوز الأزمة عام 2020 ويتكيف اقتصادها مع اسعار نفط منخفضة لامتلاكه مقومات التنوع؛ والعراق يستطيع إدارة الأنفاق الحكومي بسهولة عام 2020، وعند استمرار انخفاض أسعار النفط عام 2021 وما بعد يتطلب الأمر سياسات اقتصادية تختلف كثيرا.

وتتحسب الحكومات للمخاطر التي لازالت مرتفعة من جهة الوباء والاقتصاد: إذ اعتمدت التصورات الحالية والمعلنة للمالية العامة على افتراض الاستئناف التدريجي للأنشطة المعطلة والعودة الى الوضع الاعتيادي، تقريبا، في الربع الثالث من عام 2020. وإزالة أكثر آثار الصدمة عام 2021. ويتوقف هذا المسار على انحسار الوباء ثم نهايته دون موجة ثانية. وقد شهدت الأسواق المالية تذبذبا في الشهرين الماضيين، وان استقرارها في غاية الأهمية والمقصود هنا أسعار الأسهم والأسعار السوقية لسندات الدين. وقد أضاف الانخفاض الأخير في اسعار النفط عنصرا آخر لعدم الاستقرار لكنها تتحسن مع تخفيف القيود خاصة عن حركة النقل والسفر. ولا بد للسياسات المالية من الانتباه الى الاستقرار الاجتماعي الذي يهدده الفقر والتفاوت الحاد في الرفاه والمعاناة وتآكل الثقة بالمؤسسات العامة. لكن قوى المعارضة والرفض أيضا تتحمل مسؤولية، في مثل هذه الأزمات، لأن أضرار الاضطراب الاجتماعي فادحة بالمعايير الإنسانية.

الأنفاق والعجز والدين الحكومي:

يقاس حجم الأنفاق الحكومي بنسبته الى الناتج المحلي الإجمالي، ويعبر، بهذا القياس، عن عبء الدور الحكومي على الاقتصاد الوطني. ويبين، ايضا، ثقل الدولة في النظام الاقتصادي المعاصر.

في عام 2019 بلغ الأنفاق الحكومي في الدول المتقدمة 39% من الناتج المحلي ويرتفع عام 2020 الى 44% وفي دول منطقة اليورو 47% الى 53%؛ وتفاوتت الدول كثيرا: بلجيكا والدانيمارك وفنلندا أكثر من 50% ويزداد ايضا، وفرنسا 56% يصبح 61% لأقرب وحدة مئوية؛ بينما في سويسرا 32% وكوريا الجنوبية 22% وسنغافورة 14% عام 2019 ويرتفع في الدول الثلاث الى 37% و24% و21% على التوالي. ومن المعروف ان الأزمات والحروب والتغيرات العميقة في السياسات الاجتماعية للدول كانت من أهم أسباب وصول الأنفاق الحكومي الى حجمه الحالي، على سبيل المثال كان في فرنسا 9% من الناتج المحلي عام 1913 و23% عام 1938. وتُقيّم ضخامة الأنفاق الحكومي بمعيارين مختلفين فمن الزاوية الاجتماعية زيادة الأنفاق الحكومي توسّع إمكانية الاستقرار والعدالة الاجتماعية وتقيّد دور الملكية الخاصة والأسواق في مسار الاقتصاد وتغيراته البنيوية؛ ومن الزاوية الأخرى يتهم القطاع الحكومي بالكفاءة الواطئة. وارى ان معيار الكفاءة ينصرف الى إدارة الخدمات العامة دون النفقات التحويلية وهي جزء مهم من الأنفاق الحكومي.

في الدول الناهضة ومتوسطة الدخل يزداد الأنفاق الحكومي من 32% الى 34% من الناتج المحلي وفي أوربا من 36 الى 39%؛ ويرتفع هذا المؤشر في الدول التي كانت ضمن حلف وارشو ويوغسلافيا السابقة؛ ويلاحظ المستوى المنخفض للأنفاق الحكومي في إيران وإندونيسيا 17% الى 19% في الأولى و 16% الى 17% في الثانية لسنتي 2019 و 2020 على التوالي.

أما الدول واطئة الدخل فالمتوسط العام لأنفاقها الحكومي 19% ولا يتغير إلا قليلا بين 2018 و 2921.

كان عجز الموازنة العامة الشامل في الدول المتطورة 2.2% من الناتج المحلي الإجمالي قبل الأزمة المالية الأخيرة واصبح 3% عام 2019 ويرتفع الى 11% عام 2020 وهي زيادة كبيرة، والعجز بهذا الحجم يولد ضغطا لا يستهان به على المصارف وأسواق المال. وفي الولايات المتحدة يرتفع العجز من 6% الى 16% ولمعرفة مضامينه في الاقتصاد الكلي نشير الى كونه أكبر من الادخار الخاص، ويتطلب تمويله اتساع عجز الميزان الخارجي واستقطاب الاقتصاد الأمريكي لدفعة كبيرة من الاستثمار الأجنبي.

اما في الدول الناهضة ومتوسطة الدخل فيرتفع العجز من 5% الى 9% من الناتج المحلي، وفي الصين من 6% الى 11%؛ وعجوزات الموازنات العامة للدول النفطية ضمن هذه المجموعة. والدول واطئة الدخل يرتفع عجزها من4% الى أقل من 6% ولا تشكل ضغطا على الاقتصاد العالمي.

كان إجمالي الدين الحكومي في الدول المتطورة 105% من الناتج المحلي عام 2019 ويقدر 122% عام 2020. والحكومات ذات المديونية العالية عام 2020: اليابان 252%، واليونان 201%، وإيطاليا وإيرلندا والبرتغال عالية المديونية ودين الحكومة الأمريكية 131% من الناتج المحلي. اما الدول الناهضة ومتوسطة الدخل فيرتفع إجمالي دينها العام من 53% الى 62%؛ والدول واطئة الدخل من 43% الى 47%.

الجهات الاجنبية، حكومات ومؤسسات وافراد، تمول 35% من الدين الحكومي في الدول المتطورة عام 2019، ومن المتوقع زيادة هذه النسبة في السنتين القادمتين؛ بينما في الدول الناهضة ومتوسطة الدخل تمول 18% من الدين الحكومي؛ وفي الدول واطئة الدخل 19%. سوف تسهم هذه الصدمة في ترسيخ ضخامة مجموع الأصول المالية في اقتصاد الدول المتطورة نسبة الى الناتج المحلي، وفي نفس الوقت تقلصت نسبيا قاعدته الإنتاجية السلعية. وتُستقطَب آليات عمل الاقتصاد نحو الحكومة وقطاع المال أكثر فأكثر.

التعليقات
تغيير الرمز