الامن المائي: سياسة العراق العالقة في الماضي

الامن المائي جزء اساس من الامن الوطني للدولة ويقتضي ضمان استدامة الايرادات المائية، وهو يرتبط مباشرة بالأمن الغذائي والتغير المناخي، وله انعكاسات سلبية على الامن البيئي والحركة الديموغرافية وتركيبة السكان، والنشاط الاقتصادي. 

الحكومات العراقية المتعاقبة لم تنجح الا نسبيا في عدد من الملفات ومنها امن الافراد، الا ان اغلب الملفات شابها الفشل ولم تنجح رغم اهميتها التي لا تقل اهمية وخطورة عن المواجهة العسكرية ضد تنظيم داعش الارهابي، كملف شحة المياه.

في 24 اذار 2023، انضم العراق الى مؤتمر الامم المتحدة للمياه ليصبح البلد الاول في الشرق الاوسط الذي ينضم الى هكذا جهد دولي، وهو جهد اممي متعدد الاطراف لتسهيل التعاون حول الموارد والممرات المائية العبارة للحدود. وأعلن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني عن هذه الخطوة في أول مؤتمر كبير للأمم المتحدة حول المياه منذ السبعينيات، وكان قد زار انقرة يومي 21- 22 اذار 2023 بدعوة من الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، وكان موضوع المياه من اهم الموضوعات التي نوقشت هي موضوع المياه وتعهد الرئيس التركي بزيادة كمية الاطلاقات المائية صوب نهر دجلة لمدة شهر، في وقت يعاني العراق من شح المياه الأنهر وكذلك الأمطار وموجات الجفاف بسبب قيام دول المنبع (تركيا وإيران) بقطع وتقليل حصته من المياه، الى جانب التغير المناخي.

تميل الدول التي تفشل في معالجة إدارة المياه داخل حدودها الى إلقاء اللوم على العوامل الخارجية في مشاكل المياه، سواء كان ذلك بسبب الجيران في المنبع أو تغير المناخ. لسنوات حتى الآن ، اكدت الحكومات العراقية المتعاقبة من أن تركيا تتحمل انخفاض مناسيب المياه في نهري دجلة والفرات. وقد ارتفعت أصوات هذه الشكاوى مع تزايد تأثير تغير المناخ وعقود من سوء الإدارة على تقليص حصة المياه المتاحة. ففي كانون الأول 2021، وفي ظل الجفاف المستمر منذ سنوات، هددت وزارة الموارد المائية العراقية بمقاضاة إيران في محكمة دولية بسبب سياساتها المائية، بدعوى أن إيران كانت تحفر أنفاقًا لتحويل المياه بعيدًا عن العراق وانها قطعت روافد عدة عن نهر دجلة. وألقت إيران باللوم في مشاكل المياه في العراق على تركيا واتهمت سياسة أنقرة المائية بالتسبب في العواصف الترابية التي تطال العراق وإيران. من جانبها، تزعم تركيا ان السياسيين الإيرانيين والعراقيين على حد سواء يحملون أنقرة المسؤولية لإبعاد الرأي العام  عن سوء إدارتهم للموارد المائية. واكد وزير الموارد المائية العراقي ان مستويات المياه السطحية في العراق انخفضت بنسبة 40 في المائة في التدفق عبر حوض نهري دجلة والفرات بسبب عدم انتظام هطول الأمطار والسدود في البلدان المجاورة. وتنتهك تركيا بانتظام اتفاقية المياه العابرة للحدود مع سوريا عام 1987 ، وتطلق أقل من نصف 500 متر مكعب من المياه في الثانية التي من المقرر أن تنطلق في نهر الفرات.

في ذات الوقت، لا يحسن العراق ادارة المياه من حيث الاستهلاك والقنوات الناقلة. فالبنية التحتية للمياه في العراق قديمة جدا، ويتم فقدان جزء كبير من المياه بسبب عدم الكفاءة والهدر، ويعاني قطاع المياه في العراق من نقص التمويل والتنسيق. ويستخدم نسبة كبيرة جدا من المياه في القطاع الزراعي، الذي لا يزال يعتمد على أساليب الري غير الفعالة والبنية التحتية المتهالكة. وأهملت الحكومات المتعاقبة البنية التحتية لمياه الصرف الصحي، مما أدى الى تلوث المياه بشكل متكرر. 

اصدرت وزارة الموارد المائية استراتيجية عام 2014 استراتيجية الأمن المائي التي حذرت من الحاجة الى إصلاحات كبيرة لتجنب أزمة المياه في السنوات المقبلة. واقترحت الاستراتيجية الطموحة 184 مليار دولار في الاستثمارات والإصلاحات على مدى عقدين. لكن هذه الاستثمارات لم تتحقق ابدا.

لكن هذه الاستراتيجية وجهود بغداد لا تتسق مع جهود ورؤية واستراتيجية حكومة اقليم كردستان. اذ تنتهج حكومة الاقليم استراتيجية لإدارة المياه تكون مستقلة الى حد كبير عن بغداد، حيث إنها تكافح أيضًا مع تأثيرات سياسات المياه في تركيا وإيران. وتؤكد إستراتيجية حكومة إقليم كردستان على بناء وترميم السدود، والتي تأتي الى حد كبير على حساب بقية البلاد في اتجاه مجرى النهر. كذلك، منذ عام 2014 ، اقترح المسؤولون الأكراد إضافة 245 سدًا على أنهار الاقليم. وفي عام 2022 ، أعلنت حكومة إقليم كردستان عن خطط لبناء أربعة سدود خزانات كبيرة، دون التشاور مع بغداد. وفي ذات الوقت وفي ظل هذا الانقسام في الرؤية  لمعالجة شح المياه، تلقي بغداد واربيل اللوم على تركيا ونسبيا إيران في ازمة المياه في العراق.

الادارة المناسبة للمياه من حيث نقلها عبر النواظم والتفرعات، ومن حيث الاستهلاك، يمكن تجنب النقص الحاد في المياه. وبدون طريقة مجدية لمساءلة تركيا عن سياستها المائية، من المرجح أن يسعى العراقيون المتأثرون بانعدام الأمن المائي الى علاج من الداخل، وسوف يتحولون الى الاحتجاج على السلطات التي خذلتهم بشأن الوصول الى المياه.

ملف المياه الى الان لم يلق الاهتمام الكامل من قبل الحكومات المتعاقبة، سواء من جانب الحصول على الحصص الكافية من دول المنبع ومتابعة تلك الحصص، او ناحية التوزيع، او من ناحية الاستهلاك، فضلا عن عدم الاهتمام بالبنى التحتية كالسدود والنواظم والخزانات وغيرها، رغم وضع خطط واستراتيجية للمياه والتحذيرات التي تطلقها وزارتي الزراعة والموارد المائية، والمؤسسات الدولية والباحثين والمتخصصين ووسائل الاعلام حول مخاطر شحة المياه وطرق التخفيف منها. 

المواقف الرسمية الحكومية تقتصر على البيانات في توجيه الراي العام تجاه تركيا في اي ازمة مياه، الا انها لا تتعامل بنفس الطريقة مع ايران التي قطعت اكثر من 40 رافدا تصب في نهر دجلة، بل وحولت مسارات بعض تلك الروافد الى داخل اراضيها. 

اللجوء الى البيانات وخلط الاوراق امام الراي العام والهروب الى الامام لا يحل الازمة، بل يفاقمها ويعقدها اكثر. عليه تبرز ضرورة تنيق العمل والجهد بين حكومة الاقليم وبغداد حول استراتيجية موحدة لمواجهة شحة المياه. التدخل الحكومي لابد ان يكون حاضرا وبقوة في موضوع التوزيع وترشيد الاستهلاك واتباع الطرق الحديثة في الري. وهذا له ابعاده الاقتصادية لان القطاع الزراعي يستوعب ما يقاب من 20% من الايدي العاملة في البلاد، وهذا يتسق مع الهدف الاقتصادي الاستراتيجي في تنويع الايرادات العامة للموازنة العامة، ويزيد من مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الاجمالي. عليه يمكن توجيه جزء مهم من التخصيصات الاستثمارية في الموازنة الاتحادية للاستثمار في الزراعة وطرق الري. 

الامن المائي من ضرورات الامن الوطني، والاخير شامل ولا يتجزأ ولا يحتمل فهما مزدوجا، كما ان الاخلال بالتركيبة السكانية، نتيجة شحة المياه، وعدم ضبط حركة السكان ستكون له تداعياته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. كل هذه الموجبات بحاجة الى جهد استثنائي حكومي وتشريعي باتجاه تجاوز اسباب شح المياه، لما يمكن ان تتركه من انعكاسات على الامن الوطني الشامل.

التعليقات
تغيير الرمز