العراق ما بين بومبيو وظريف

تأتي زيارة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف– الى العراق في اعقاب زيارة وزير خارجية الولايات المتحدة الامريكية مايك بومبيو ضمن جولة يقوم بها لعدة عواصم هدفها المرسوم الحصول على مزيد من التعبئة وكسب المواقف بالضد من ايران ، وتأتي زيارة ظريف على رأس وفد سياسي واقتصادي كبير- تمتد خمسة أيام وتشمل محافظات عراقية عدة ، وبطبيعة الحالة تزامن الزيارتين وبفارق وقتي قصير لا يخلو من رسائل متبادلة ونقطة شروع نحو تصعيد جديد قد لا تسلم الساحة العراقية من تبعاته ، فزيارة ظريف للعراق بصحبة شخصيات بارزة وعلى مستوى متقدم هي بمثابة ردة فعل سريعة ترفع شعار ( لن نفرط بالساحة العراقية حتى لو اضطرت طهران لمغادرة سوريا واليمن) ، باعتبار ان العراق بوابة الالتفاف الكبرى بوجه العقوبات المفروضة على ايران ، اما اصطحاب عدد كبير من المسؤولين قد يكون مبتغاه التمويه على هدف الزيارة الحقيقي والذي يقرأه المختصون هو لأجل استشراف ما جاء به بومبيو وما حمل في جعبته لبغداد وما اراده من الرئاسات الثلاث ( رئاسة الجمهورية والوزراء والبرلمان ) لا سيما وان بعض التسريبات تُشير الى ان من ضمن اهداف زيارة بومبيو هو ابعاد قادة فصائل شيعية عن دفة الحكم او الحيلولة دون تسنمهم مناصب عليا في الحكومة العراقية ، اضافة الى حث العراق على ضرورة الالتزام بالعقوبات الامريكية على ايران وتحجيم نفوذها في العراق والتأكيد على الرؤية الامريكية التي ترى في ايران قوة مزعزعة لاستقرار المنطقة  وتسعى لضبط سلوكها على مستوى العراق والشرق الاوسط  .

في مقابل هذه الرؤية الامريكية التي جاء بها وزير خارجيتها تسعى طهران لمقابلتها على ارض الواقع عبر وفدها الاخير للعراق او حتى عبر مذكرة  الاحتجاج التي رفعتها بالضد من المؤتمر المزمع عقده في بولندا والذي من خلاله تسعى واشنطن لجمع اكبر حشد دولي يدين طهران وتدخلاتها ، وربما تجارب طهران  الصاروخية الاخيرة تندرج ضمن اطار تصعيد المواقف  او كورقة ضغط للمجتمع الدولي او الاتحاد الاوربي على وجه الخصوص ، لا سيما وانها طلبت من الاخير توضيح موقفه من العقوبات وعلى اية مسافة يقف، كما وهددت بالانسحاب  نهائياً من الاتفاق ، وترى في زيارة بومبيو للعراق محاولة للتغطية على انسحاب قوات بلاده من سوريا وهو ما اسماه المسؤولون الايرانيون (بالهزيمة) وان زيارة ظريف للعراق هي مبرمجة مسبقاً وتأتي في سياق توطيد العلاقة مع بغداد.

موقف العراق 

ما بين الموقفين اعلاه فأنه ليس بمقدور صانع القرار العراقي التضحية بأحد الحليفين، فالولايات المتحدة تسعى وعبر بوابة العراق للتضيق على طهران سياسياً واقتصادياً وحتى عسكرياً عبر زيادة عديد قواتها وهو احراج كبير للعراق لا سيما وانه مُلزم باتفاقية الاطار الاستراتيجي، ناهيك عن الحرج على المستوى الشعبي اذ ليس بمقدورها المطالبة علناً بانسحاب تلك القوات كما وان زيارة ترامب الاخيرة للعراق دون لقائه بالقادة السياسيين وضعهم امام موقف صعب  فيما اعتبره البعض مصادرة لسيادة العراق ، بالتزامن مع تصاعد ضغط الاطراف المقربة من طهران للمطالبة بانسحاب تلك القوات وهو ما تعتزم بعض القوى السياسية مناقشته داخل اروقة مجلس النواب ، في مقابل ذلك تدرك واشنطن صعوبة زج العراق في صراعها مع طهران دفعة واحدة وهو ما دفعها لتمديد مدة استثناء العراق من بعض العقوبات كما في استيراد الغاز ، اضافة الى ان  روابط العراق بإيران متعمقة سياسياً واقتصادياً وعقائدياً ناهيك عن وجود جماعات هي ذات ارتباط مباشر بطهران واغلبها لا تخفي تلك العلاقة وطالما هددت باستهداف المصالح الامريكية في العراق اذا ما تصاعدت وتيرة الصراع الامريكي الايراني ولا ننسى أن بعض هذه الجماعات هي ذات ثقل سياسي مؤثر على مستوى العمل السياسي وقد تقلب الموازين على واشنطن والحكومة العراقية اذا ما انصاعت الحكومة العراقية للإرادة الامريكية وعملت على تحجميهم .

ختاما، يمكن القول: أنه في ظل ادارة عبد المهدي لرئاسة الحكومة ينبغي الاستمرار قدر المستطاع بسياسة التوازن ما بين ايران وامريكا دون التفريط باي الحليفين ودون الميل لطرف على حساب اخر وهو ما قد يجعل العراق ساحة حرب بالوكالة وتصفية حساب متبادل ، فالنأي بالنفس يحفظ للعراق استقراره مع العمل على الزام كافة الاطراف السياسية او العسكرية بذات السلوك ومحاسبة المخالفين، فهذا الصراع اذا ما حصل سيدفع العراق ثمنه الباهض لكونه الخاسر الاكبر وبالتالي سياسة الحياد الطريق الاصلح للخروج من الازمة وربما من مصلحة العراق ان يلعب دور الوسيط لدفع الطرفين الى الجلوس مجدداً على طاولة الحوار وبهذا يتجنب الاخطار المحدقة به . 

التعليقات
تغيير الرمز